محمد بن جرير الطبري

49

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

يعني بقوله جل ثناؤه : * ( ولاتم نعمتي عليكم ) * : ومن حيث خرجت من البلاد والأرض إلى أي بقعة شخصت فول وجهك شطر المسجد الحرام ، وحيث كنت يا محمد والمؤمنون ، فولوا وجوهكم في صلاتكم شطره ، واتخذوه قبلة لكم ، كيلا يكون لاحد من الناس سوى مشركي قريش حجة ، ولاتم بذلك من هدايتي لكم إلى قبلة خليلي إبراهيم عليه السلام الذي جعلته إماما للناس نعمتي فأكمل لكم به فضلي عليكم ، وأتمم به شرائع ملتكم الحنيفية المسلمة التي وصيت بها نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء غيرهم . وذلك هو نعمته التي أخبر جل ثناءه انه متمها على رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به من أصحابه . وقوله : * ( ولعلكم تهتدون ) * يعني : وكي ترشدوا للصواب من القبلة . * ( ولعلكم ) * عطف على قوله ، * ( ولاتم نعمتي عليكم ) * * ( ولاتم نعمتي عليكم ) * عطف على قوله * ( لئلا يكون ) * . القول في تأويل قوله تعالى : * ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ) * يعني بقوله جل ثناؤه : كما أرسلنا فيكم رسولا ولاتم نعمتي عليكم ببيان شرائع ملتكم الحنيفية ، وأهديكم لدين خليلي إبراهيم عليه السلام ، وأجعل لكم دعوته التي دعاني بها ومسألته التي سألنيها فقال : ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم كما جعلت لكم دعوته التي دعاني بها ومسألته التي سألنيها ، فقال : ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم فابتعثت منكم رسولي الذي سألني إبراهيم خليلي وابنه إسماعيل أن أبعثه من ذريتهما . ف كما إذ كان ذلك معنى الكلام صلة لقول الله عز وجل : ولاتم نعمتي عليكم ولا يكون قوله : كما أرسلنا فيكم رسولا منكم متعلقا بقوله : فاذكروني أذكركم . وقد قال قوم : إن معنى ذلك : فاذكروني كما أرسلنا فيكم رسولا منكم أذكركم . وزعموا أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير ، فأغرقوا النزع ، وبعدوا من الإصابة ،